محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
162
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
الحكايات وكل القصص . تقول الآية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً [ سورة الكهف ، الآية 13 ] . لنتوقف أولا عند الملاحظة الإحصائية التالية : وهي أن مفهوم « الحق » يتكرر 287 مرة في القرآن مع أغلبية واضحة للصيغة اللغوية « حق » . أما المفهوم المضاد ، أي مفهوم « الباطل » فيرد 60 مرة بالمعنى الذي تحتويه الآية التالية : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [ سورة الأنبياء ، الآية 18 ] . إن الحقّ هو اللّه ذاته وكل ما يندرج داخل إرادته الخلاقة وقدرته التنظيمية . وكل ما يحاول أو من يحاول أن يفلت من هذه الإرادة أو يعارضها فهو باطل ، وخادع ، وعابر . وبالتالي ، فإن سرد قصة بشكل حقيقي يعني بالضرورة إدراجها أو دمجها داخل الفضاء الأنطولوجي للحق : بمعنى أن شخصيات القصة ، وتصرفاتهم ، والأماكن الوارد ذكرها ، والأقوال المتبادلة ، كلها أشياء صحيحة بحرفيتها . فاللّه لا يمكنه أن يستخدم الخرافات أو القصص الخيالية « 1 » لكي يكشف عن أسراره ويبلّغ أوامره وإراداته للبشر . وبالتالي ، فإن المفسّر الخاضع لمطلق الحق لا يستطيع إلّا أن ينفتح على المعطيات « التاريخية » ، و « الجغرافية » الشائعة في تراث الشرق الأوسط « * » . ولكن كلما راحت واقعية العلم الأرسطوطاليسي والممارسة الاقتصادية والإدارية تدفعان بالثقافة العربية الإسلامية باتجاه العقلنة ، وتمحيص الوقائع ، والمعرفة المباشرة أو العيان ، راحوا يشعرون بالحاجة الماسة إلى الفرز الدقيق والصارم لهذه المواد المنقولة إلينا
--> ( 1 ) إنّ التمييز بين الأساطير أو الخرافات والحكايات المجانية وبين القصص الصحيحة أو النماذج العليا للقدوة في السلوك موجود في القرآن . فنحن نجد المكّيين يدعون بأساطير الأولين حكايات كتلك الواردة في سورة الكهف . وأيا يكن أصل ومعنى كلمة أساطير الواردة بصيغة الجمع ، فإننا نجد أن مصطلح « أساطير الأولين » يتكرر تسع مرات من أجل الحطّ من قيمة النبي والوحي . وهذا الموقف يفسّر سبب إلحاح القرآن على صحة ونموذجية القصص الواردة فيه ، وكذلك صحة ونموذجية الأمثال . انظر دراستنا التي تحمل العنوان التالي : ( ( ؟ Peut - on parler de merveilleux dans le Coran ) ) أي : « هل نستطيع أن نتحدث عن وجود العجيب المدهش ( أو الساحر الخلّاب ) في القرآن ؟ » . وهذا البحث يشكّل الفصل الخامس من كتابنا : قراءات في القرآن ، . Lectures du Coran , op . cit . * ينبغي أن نعلم أن قصة أهل الكهف لا تنتمي فقط إلى التراث الإسلامي ، وإنما تنتمي من قبله إلى التراث المسيحي . فهم السبعة النائمون في أفس بمنطقة آسيا الصغرى ( تقع الآن في تركيا ، في منطقة الأناضول وتدعى سيلسوك ، وفي الماضي كانت تدعى أياسولوك ) . ويرى التراث المسيحي أنه أثناء اضطهاد الإمبراطور الروماني ديسيوس للمسيحيين في القرن الثالث الميلادي ، التجأ سبعة شباب إلى كهف مجاور لمدينة أفس . وهناك ناموا لمدة قرنين من الزمن لكي يستيقظوا في عهد الإمبراطور تپودوسوس حيث كانت المسيحية قد أصبحت الدين الرسمي للإمبراطورية ولم تعد مضطهدة . ولكنهم ماتوا بعد استيقاظهم بفترة قصيرة . وقد شاعت قصتهم وانتشرت حتى جاء القرآن وكرّس لها سورة كاملة .